السياق العام
شهدت ليبيا في 4 فبراير 2026 هزة أمنية عقب مقتل سيف الإسلام القذافي بمنزله في الزنتان، وهو ما أكدته النيابة العامة بطرابلس بعد فحص الجثة وإثبات الوفاة بأعيرة نارية. وبسبب غياب التوثيق الرسمي لمسرح الجريمة، تدفقت موجة من الصور المفبركة والمولدة بالذكاء الاصطناعي لاستغلال حالة الاحتقان المعلوماتي، لذا يسرد هذا التقرير أبرز الادعاءات المضللة ورصد التفاعل الشعبي مع الحادثة.
سرديات التضليل
تحول الفضاء الرقمي الليبي إلى ساحة استقطاب حادة غُذيت بمحتوى بصري مفبرك لخلق واقع موازٍ. استُخدمت هذه السرديات لتكريس خطاب التخوين، والتلويح بالثأر، وتصعيد الوعيد ضد الخصوم، مما حوّل المنصات الرقمية إلى أدوات للتحريض المهدّد للسلم الأهلي.
تمثل الادعاء الأول في تداول صورة تزعم خروج أكثر من مليون مواطن ليبي في مدينة بني وليد لتشييع جثمان سيف الإسلام القذافي:

بالمقارنة مع توثيق المصور فيصل الرزقي للجنازة، تبيّن أن صورة الادعاء خضعت لتلاعب ضاعف الحشود عشوائياً؛ حيث كشف التحليل البصري عن تداخل غير منطقي لرؤوس المشيعين، واختلال في وضوح الصورة وتوزيع الإضاءة. كما أكد التكرار الميكانيكي المنتظم لملابس الحشد أن الصورة مولدة بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي لتضخيم المشهد سياسياً:

مقارنة بين صورة الادعاء وبين صورة حقيقة لجنازة سيف الإسلام القذافي في مدينة بني وليد.
تمثّل الادعاء الثاني في تداول صورة وصفت الحدث بأنه أكبر جنازة في تاريخ العالم، حيث أظهرت المشاهد حشوداً مليونية تملأ الأفق بشكل غير منطقي، إلا أن هذا الادعاء حمل مؤشرات تزييف بصرية صارخة فالحشود بدت مبالغاً فيها بشكل يتجاوز المنطق الواقعي حيث تظهر كثافة الناس بطريقة خارقة ومفبركة تجعل من المستحيل تمييز الفراغات الطبيعية التي تتشكل عادة في التجمعات الكبرى، مما خلق ازدحاماً يبدو مكدساً رقمياً يؤكد أن الصورة صُممت خصيصاً لخلق انطباع بصري وهمي يضخم الحدث عاطفياً:

لقطة شاشة لادعاء مضلل متداول على فيسبوك
وعلى النقيض من هذه الأنماط البصرية المفبركة، وثق المصور فيصل الرزقي من خلال مجموعة من الصور الميدانية الحقيقية في مدينة بني وليد المشهد الفعلي للجنازة، مما سمح بإجراء مطابقة واقعية كشفت حجم التضليل الممارس حيث برز التباين الشاسع في أعداد المشيعين وتوزيعهم الجغرافي مقارنة بالصور المولّدة رقمياً، مما أثبت أن الادعاءات السابقة لم تكن سوى عملية تزييف بصري:

صورة توثق جنازة سيف الإسلام القذافي في مدينة بني وليد
ولم تقتصر حملات التضليل الرقمي على شخص سيف الإسلام وحده أو جنازته، بل امتدت لتطال أفراد عائلته بهدف تأجيج المشاعر العامة، حيث برز اسم شقيقته الوحيدة عائشة القذافي في قلب هذا الاضطراب المعلوماتي فقد تم تداول مقطع فيديو يزعم إدلاءها بتصريح تؤكد فيه أن “العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم” رداً على عملية الاغتيال:

وبإخضاع مقطع الفيديو المتداول لعائشة القذافي للبحث العكسي والتدقيق في المصدر، تبين أن المادة المرئية تعود إلى عام 2008، حيث كانت قد ظهرت ضمن تقرير استقصائي نشرته وكالة SRF السويسرية حول تفاصيل عائلة القذافي في 2014 على يوتيوب:

تفاعل الشارع الليبي
تزامناً مع البيانات الرسمية، رصد التقرير تفاعلاً واسعاً عبر وسوم مثل #سيف_الإسلام، حيث تركزت المنشورات حول تقديم قراءة وطنية للحدث وربط الحادثة برموز تاريخية. كما سادت قراءات تحليلية ربطت توقيت الحادثة بإعلان البيت الأبيض والـ (FBI) القبض على المواطن ‘الزبير البكوش’، حيث فسر قطاع من المتفاعلين هذا التزامن كإجراء لصرف الانتباه عن تفاصيل واقعة الاغتيال.
الخاتمة:
تجاوزت هذه الحادثة كونها جريمة اغتيال لتصبح نموذجاً لاستخدام التضليل الرقمي في إعادة صياغة الواقع السياسي، محولةً المنصات الافتراضية إلى ساحات مفتوحة لشحن العواطف وتعميق الانقسام المجتمعي عبر سرديات الثأر والمؤامرة.
مصادر الادعاء:
راس لانوف اون لاين
Libya Live
اخبار ليبيا اليوم
الكدوة السلام

